ابن بطوطة
61
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
خربت وحمّامات بغداد كثيرة وهي من أبدع الحمّامات وأكثرها ، مطليّة بالقار مسطّحة به فخيّل لرائيه أنه رخام أسود . وهذا القار يجلب من عين بين الكوفة والبصرة « 189 » تنبع أبدا به ويصير في جوانبها كالصلصال ، فيجرف منها ، ويجلب إلى بغداد ، وفي كلّ حمّام منها خلوات كثيرة كلّ خلوة منها مفروشة بالقار ، مطلّى نصف حائطها ممّا يلي الأرض به والنصف الأعلى مطلّى بالجصّ الأبيض الناصع ، فالضدّان بها مجتمعان متقابل حسنهما . وفي داخل كلّ خلوة حوض من الرخام فيه أنبوبان ، أحدهما يجرى بالماء الحارّ والآخر بالماء البارد فيدخل الإنسان الخلوة منها منفردا لا يشاركه أحد إلّا إن أراد ذلك ، وفي زاوية كلّ خلوة أيضا حوض آخر للاغتسال ، فيه أيضا أنبوبان يجريان بالحارّ والبارد ، وكلّ داخل يعطى ثلاثا من الفوط : إحداها يتّزر بها عند دخوله والأخرى يتّزر بها عند خروجه ، والأخرى ينشف بها الماء عن جسده ولم أر هذا الاتقان كلّه في مدينة سوى بغداد ، وبعض البلاد تقاربها في ذلك . ذكر الجانب الغربي من بغداد الجانب الغربي منها هو الذي عمر أولا « 190 » وهو الآن خراب أكثره ، وعلى ذلك فقد بقي منه ثلاث عشرة محلّة ، كلّ محلة كأنها مدينة ، بها الحمّامان والثلاثة ، وفي ثمان منها المساجد الجامعة . ومن هذه المحلّات محلّة باب البصرة « 191 » وبها جامع الخليفة أبى جعفر المنصور رحمه الله ، والمارستان فيما بين محلّة باب البصرة « 192 » ومحلّة الشارع على الدّجلة ، وهو قصر كبير خرب بقيت منه الآثار .
--> ( 189 ) لا توجد عين للقار بين الكوفة والبصرة . . . القار يأتي عادة من ( هيت ) على الفرات في الشمال الشرقي لبغداد ، ومن ( گيارة ) على دجلة جنوب الموصل ، هذا وقد تحدث ابن جبير قبل ابن بطوطة عن أن القار يجلب من عين بين البصرة والكوفة ص 183 - يراجع التعليق الآتي 226 . ( 190 ) العاصمة الجديدة : بغداد المؤسسة من قبل الخليفة المنصور عام 139 756 هي " المدينة المدوّرة " كانت توجد على الشط الغربي بين الغربية وباب البصرة . . . وعلى عهد ابن بطوطة لم يصمد إلا الجامع الكبير المنسوب للمنصور . ويلاحظ مرة أخرى اقتباس ابن بطوطة من أبن جبير مع محاولته تحديث أو تيويم المعلومات بالنسبة لما ذكر ابن جبير وخاصة بعد احتياج المغول لبغداد سنة 656 1256 . ( 191 ) هو الحي الذي كان يقع جنوب باب البصرة . ( 192 ) بني هذا الباب عام 368 979 من طرف الأمير البويهي عضد الدّولة ووصىّ الخليفة ، على مقربة من المكان الذي يقع فيه قصر الخلد الذي يرجع للخلفاء العباسيين الأوائل وقد ورد ذكر هذا الباب عند ابن جبير .